زفاف
بِحَياءٍ وخجلْ
جرجرتْ أذيالَ فُسْتَانِ الفرحْ
بهدوءٍ ووَجَلْ
سكبتْ في مُقَلِ الناسِ المَرَحْ
جامدًا ، صلبـًا ، عنيدًا . . .
واقفـًا خلْفَ الرَّجُلْ
حُزْنُها مِثْلَ الشبَحْ !
للحزن أثوابٌ عديدة . وها هو في قصيدتك يأتي في غير أوانه , لابسـًا ثوب الزفاف, معلنا بذلك أن لا مكان للسعادة في حياة تلك المرأة حتى في أحفل اللحظات بالسعادة!
بقدر ما تبدو هذه القصيدة هادئة الإيقاع , بعيدة عن الصخب , فإن من وراء هذا الهدوء الظاهري لا يخطئ الحس دمدمة أعماق , وثورة مشاعر , وهمهمة نفس حزينة.
هذه القصيدة تختصر آلام ملايين النساء , اللاتي يفضلن إضلال الآخرين , وخداعهم بادعاء السعادة , لأن الآخرين جحيم كما يقول سارتر . ويهمهُّن أن تبقى واجهة حياتهنَّ سليمة حتى لو كان البيت من الداخل آيلاً للسقوط.
............
صحيح أنَّ نصكِ قصير , لكنه مراوغ , وذكي . كبعض القصص القصيرة جدًّا التي تُخْتَزَل في بضعة أسطر , بيد أنها تفتح دروبـًا من المعاني.
سكبتْ في مُقَلِ الناسِ المَرَحْ
جامدًا ، صلبـًا ، عنيدًا. . .
واقفـًا خلْفَ الرَّجُلْ
حُزْنُها مِثْلَ الشبَحْ *!
تَسَاءَلتُ هل(جامدًا ، صلبـًا، عنيدًا , واقفـًا خلْفَ الرَّجُلْ) حال لكلمة(المرح) أم لكلمة(حزنُها)؟
فإن تكُ حالاً للمرح فإن العروس لم ترتشف لذة المرح بمعية الرجل , وأمست في ذلك المشهد منفصلة عنه , مهما يبدُ قربها منه . وهذا المرح الذي يطفر منها ولا يشركها فيه الرجل , بل لا يراه , جسدته شبه الجملة(خلف الرجل) وعمقت معنى الهوة القائمة بينهما, وكشفت عن إحساسها الحاد بالعزلة. ولذا لم يكن مَرَحَـًا بشوشـًا صادقـًا , كان جامدًا, وكانت تصر على إبقائه ولو كذبـًا , فجاء صلبـًا عنيدًا. ووصف المرح بهذه الصفات التي لا تأتلف مع طبيعته , بدَّل تلك الطبيعة وحطَّم جوهره , ونقله إلى الشقاء.
وإن تكُ حالاً للحزن فإن كمية الحزن تتضاعف في القصيدة . فالأحوال المقدَّمة هنا هي بؤرةُ التعبير , وهي تؤثل هذا الحزن وتكشف عن عمقه ؛ إذ لم يعد الأمر مجرد شعور العروس ببعد الرجل عنها , وعزلة نمت بينهما, بل الرفض التام له , والإحساس بأنه اقتحم حياتها رغمـًا عنها. ولذا يهشم هذا الحزن الحياءَ والخجلَ والفرحَ والهدوءَ والوجلَ بصلابته وجموده وعناده . ويضاعف سوداويتَه كونُه خلف الرجل , حيث لا تواري حزنها عن الناس فقط , بل تواريه عنه أيضـًا ليبقى فؤادها مظلمـًا بالحزن وبالوحدة.
أيتها الشاعرة كم هي بائسة عروسكِ! ففي لحظة الزفاف حيث يعصرها الحزن تضطر إلى التوشح بالسعادة وتمثيل دور الفرح.
كم هنَّ بائسات تلك النساء اللائي يعشن حياةً مزدوجة!
.............
ويتجلى فنيـًّا هذا الحزن وتلك العزلة في الحضور الكثيف للأسماء في النص , حيث يتقهقر الفعل الدال على التحول والتغير , ولا يرد إلا مرتين(جرجرت – سكبت).
ولما كانت الأسماء فيها معنى الثبات والاستقرار كما يرى النحو العربي. فإننا إذا تأملنا النص وجدنا أن الفعلين جاءا في البيت الثاني والرابع وأن الأسماء سيطرت على البيت الخامس والسادس والسابع . وهذا يوحي بأن الأشياء الحسنة التي لاحت عرضة هي للتغير والزوال, في حين أن الأشياء السيئة هي الراسخة الباقية في الموقف.
وقد استرعت انتباهي كلمة (مقل) التي أسهمت في تعرية زيف هذا المرح , فهو مرح سطحي صوري لا ينفذ إلى الأعماق , ويقف على أعتاب المقل ولا يدلف إلى الـمُهَج.
ومقصد الشاعر وما يكتنفه من حالة شعورية وقت الإبداع هو الذي يحدد صوتيات النص. فمثلُ هذه الكلمات (جامدا صلبا عنيدا) لا تفيض بالقوة من دلالتها فقط , أيضـًا صوتياتها تدعم هذه القوة , فحروفها مجهورة , والجهر من صفات القوة , وهو أن يهتز الوتران الصوتيان عند النطق بالحرف. وهذه الكلمات تنحدر إليها القوة أيضـًا من حركة الفتح , والفتح يعني الكبر والفخامة والشدة .
وأما حركة الكسر المنون فإنها مناسبة جدًّا لكلمتي (حياءٍ– هدوءٍ) بما تنطوي عليه من معنى الصِّغَر واللطف والجمال والحميمية مع النفس . حيث تلائم صورة العروس وهي تزف , إذ تزول عنها الجرأة وتمضي في سكينة بين الناس . وقد سُبقت الكلمتان بحرف الباء , والباء حرف شفوي يدل على الحزن . وفي ذلك صورة مكتملة للعروس فهي حيية هادئة حزينة.
وعلى القافية تعاقب حرفان , اللام والحاء. والتوزيع الصوتي لهما وفاقـًا للمعاني يكشف عن رؤية فنية مذهلة . فإذا أمعنا النظر ألفينا اللام حرفا ذلقيـًّا يتسم بالخفة وسرعة النطق لخروجه من ذلق اللسان أي طرفه, وحرف الحاء حرفـًا مصمتـًا لثقله وعدم سرعة النطق به لخروجه بعيدا عن ذلق اللسان.
والمعاني البادية للعيان على حقيقتها ختمت باللام (خجل – وجل- رجل) , وهي بذلك شابهت حرف اللام في ظهورها بلا تكلف أو عنت. والمعاني الزائفة التي لا تظهر على حقيقتها ختمت بالحاء(فرح- مرح – شبح) فوافق ثقل النطق بالحاء وبعد مخرجه ما يُكَابَد فيها من مشقة .
وأما السكون الذي ألم بالقافية فإنه يساوي في حسِّي الخواء . والخواء هو جوهر القصيدة ؛ خواء المشاعر من الصدق فلا مرحها صادق ولا حزنها ظاهر. وخواء قلب العروس من السعادة رغم هالة المرح التي تحيط بها.
أما كلمة(مثل) فأعتقد أن الصواب فيها هو الرفع لكونها خبرا للمبتدأ(حزنها).
* * * * *
* النص للشاعرة رسمية العيباني .